وقفة على قبر صلاح جلال
بقلم الشاعر/ ناصر صلاح
----------------------------------
وجايز اموت وانا بادئ قصيده جديده من قبل اما اكملها
وجايز اموت وانا فى جمله باحاول انى اجملها
وجايز اموت وانا خارج يادوب من قلب دوامه وداخل قلب دوامه
وجايز اموت وانا نفسى فى حاجات ياما
من هنا من كلمات وحيد الدهشان – اطال الله عمره- فى قصيدته ( كلام
قبل الرحيل) ومرورا بكلمات الراحله المبدعه ليلى محمد على – رحمها الله –
حينما رثت نفسها وتوقعت مشهد موتها كما حدث بعد اسابيع بالتمام.
ويجى الموت فى ليلة العيد ساعة مطره
من هنا أدخل الى قصيدتين للراحل الخلوق المبدع صلاح جلال، احداهن
انتبه لها الجميع وتحدثوا عنها وعن رثاءه لنفسه فيها ، والثانية التى أظن
انها سابقه عن الرثاء لم ينتبه اليها احد رغم أنها من وجهة نظرى هى البداية
الحقيقية لقصيدة الرثاء رغم انها بالعاميه والأخرى فصيحة.
الرثاء
هذا الغرض الشعرى الأصيل وهو أقرب الأغراض الشعريه الى نفس الشعراء العرب
لما يحمله من حزن وشجن ومشاعر شفافة مرتبطة بالدموع والفراق واللوعة.
عرف الناس الرثاء من حيث أن يقوم الشاعر برثاء غيره وبقدر عمق التجربة
وقوة تأثير الفقيد فى نفس الراثى ومدى تأثر الراثى بلحظة الفقد يكون النص
بديعا، كما فى نصوص كثيره فى الشعر العربى من اشهرها رثاء الخنساء لأخيها
ومن ابدعها قصيدة الأنبارى فى الوزير ابن بقية البغدادى والتى مطلعها ( علو
فى الحياة وفى الممات لحقا أنت احدى المعجزات) ومن اصدقها رثاء شوقى لحافظ
وكان مطلعها (قــد كـنتُ أُوثـرُ أَن تقـولَ رِثـائي يـا مُنْصِـفَ
المـوْتى مـن الأَحيـاءِ).
أما مسألة أن يرثى الشاعر نفسه فهى
قليلة فى العصور السابقة ربما تعد على الأصابع مثل تجربة مالك بن الريب
وأبى فراس الحمدانى ، لكن فى العصر الحديث أصبحت ظاهرة ملفتة للنظر ربما
لأن ضغوط هذا العصر وما يفتقده من قيم وشيم وصفات جعلت الكثير من مرهفى
الإحساس يتمنوا الموت والخلاص من هذه الدنيا الظالم أهلها.
نعود
الى صلاح جلال الذى تعرفت اليه فى بداية التسعينات ولم يدم بيننا اللقاء
لإنشغال كل منا فى عمله لكن ظلت المودة وظل تأثير صلاح جلال الخلوق المهذب
المبدع النقى فى نفسى اذكره دائما بالخير.
إن أمثال صلاح جلال من
من يحملون قضايا أمتهم وهموم وآمال شعوبهم فى قلوبهم لابد وأن تكون لهم
سجايا مختلفة عن غيرهم، تبدو جلية من خلال ابداعاتهم وتشرق من بين طيات
حروفهم تجد لعباراتهم مذاقا خاصا ولمعانيهم عمقا مختلفا كما سنرى.
وقفت أمام رثاء صلاح لنفسه لكن استوقفتنى قصيدة أخرى كانت شرارة قصيدة
الرثاء ومدخلها وكأن صلاح كان يهدد وينذر ويحذر من أنه سيرحل والقصيدة
بالعامية يحدث فيها الوطن ويقول:
وماشى يا وطن ماشى ومتشكر أنا ماشى
وعينى اللى انت ابكيتها وما اهتميت بدمعتها
كانت بتبات وتحلم بك ولو تزعل ما تهناشى
لكن يالله باقولك ايه انا ماشى
ويستمر صلاح جلال فى معاتبة الوطن الذى لم يشعر بعطاء ابناءه الذين يضحون من أجله ، ويقول فى بعض المعانى الرائعة:
انا ماشى ومش ندمان
ماهو برضه حرام يعنى
أعيش سقه واموت عطشان
وابات اغزل على نولى جلاليبك وانام عريان
انا ماشى وجوايا الألم مكبوت
وباسأل نفسى ميت مره وانا شايف بعينى الموت
صحيح كلمة وطن ( حنان أمك 00قو000جنة لسكانها 00آية00)
ثم فى نهاية القصيدة يبدأ صلاح جلال الاشارة الى النهاية يبدأ رثاء نفسه:
عموما يا وطن هانت
سفينة الموت على المرسا أهى بانت
وليل البحر مستنى..بإيدك يا وطن يالله وشيلنى
لكن تسمح لى أتمنى؟ باقول يعنى دا لو ممكن؟
لو ارجع لك غريق عايم على شطك
باقول ممكن تسبلنى ... تبص فى عينى لو مره تكفنى
تدفينى ولو مره وتحضنى
وتبكى حتى لو مره ولو كانت دموع مره
هنا يرثى صلاح نفسه لكنه فى الحقيقة رثى الوطن قبله فالوطن الذى يضحى
بأبناءه ولا يقدر جهادهم لا يكون وطن بل فخ كما قال الابنودى ( وطن دا
وللا فخ).
كانت قصيدة ماشى مدخل ليتحول حديث الرثاء من عتاب
الوطن الى صلاح نفسه ، لحظة المكاشفة مع النفس ( حاسبوا انفسكم قبل أن
تحاسبوا)، فى نص صغير وبسيط لكن وكأن جلال يلقن نفسه الشهادة:
غدا يا صلاح تجف الحروف وتُسلم لله هذا القلم
غدا يحتويك ثرى اللاحدود فلا ثمّ غير لماذا وكم؟
وخوف وهم وبالذنب انت غدا متهم
وماذا اشتهيت وعن ذلك الشعر ماذا كتبت
وأين ذهبت وفيم قضيت حياة النعم؟
صلاح جلال يفتح كشف حساب ويعرض عريضة الاتهام يصفى أعماله قبل الرحيل
ويذكر نفسه ثم يدمع دمعة الفراق ، دمعة الذى يشتاق لرفاقه وأحبابه:
غدا لن تكون رفيق الرفاق ولا بينهم
ليس فقط دمعة الفراق على الرفاق ولكن يلتفت الى البيت الذى لابد –
مهما حزن لفراقه- من النسيان فهذه سنة الحياة ليس نسيان صلاح وانما نسيان
آلام لحظة الفراق فى زحمة الحياه وثقل المسئوليات:
سيأتى الصباح على البيت حلوا كأن لم تكن
ومهما يكن من بكاء العيون
ومهما اكتوت بالفراق الجفون
فلن يبق منك سوى كان كان وبعض الظنون
ان صلاح جلال حزين على نفسه ويرثيها ويستشعر لحظة الفقد كم هى مؤلمه
وهذا من اصعب آلوان الرثاء لأن مشاعرك مقسمة بين الراثى انت والمرثى أنت
فيكيف يكون الشجن:
غدا يا صلاح يقام العزاء لروح طوتها عيون السكون
غدا يا صلاح .. غدا لن تكون
وأنا اقول لصلاح غدا وبعد غد والى يوم الدين ستكون بحروفك الخالده واخلاقك الكريمه وسيرتك الطيبه وما أصدق قول يس الفيل
فغنى لحنك وارحل .. فالدهر باللحن أدرى