القدس رائعة محمد التهامى
بقلم الشاعر/ ناصر صلاح
حرفوش المجذوب
===============
منذ زمن لم امسك القلم لأخط انطباعاتى حول نص من النصوص الكثيرة التى
امتعتنى وتركت فى نفسى اثارا ، ربما لأن الدافع الرئيسى وهو أن يتفاعل
الناس مع هذه الانطباعات قد انتهى بإغلاق جريدة الأسرة العربيه التى كانت
تنشر لى تلك الانطباعات على مساحة نصف صفحة، وربما لأن اخر ما سطرته منذ
سنوات عن اشرف فايز نشرته الجمهوريه دون وضع اسمى عليه فكأنه بقلم مشرف
الصفحه أى سرقة علنية ولم تعتذر، وربما لأن ما كنا نحياه فى العهد الغابر
مازلنا نحياه الأن رغم الأمل فى التجربة الاسلاميه التى تجد من العوائق على
يدى أهلها أكثر مما تلقى على أيدى أعدائها، وربما.... وربما....
لكن الذى انا على يقين منه أننى عدت الى الكتابة الأن لأن بداخلى نزيف
متواصل من جرح كبير صنعته بيدى ، عدت للكتابة للتعبير عن جرح مشابه مع
الفارق أنه أكبر ونزيفه أكثر تدفقا فتت فى عظام وأمال أجيال وأجيال ، عدت
لأن أدمعى فى زحامها على بوابة العين انهارت الى الأحشاء فباتت تحرقنى
وتزيد من مواجعى القاتله فأردت أن أشغلها بدموع أمه على قلبها النابض.
فما كان أمامى سوى القدس هذا الجرح الغائر فى عمق عمر الأمة هذا الجرح
النازف فى عروق الشعوب وشرايين العرب، كان لابد من الوقوف أمام القدس
الرائعه لمحمد التهامى، هذا الشاعر العملاق الذى يكفى أن تقول عنه – اتفقنا
او اختلفنا حول شخصه – أنه من أبرز شعراء الأمة عبر تاريخها بموهبته
وابداعه وثقافته.
أما – القدس - النص فهو شجى ممتع بآلامه
وأماله، مختلف الملامح عن اى قدس أخرى لأى شاعر أخر، بدأه التهامى بالغزل
كعادة الشعراء القدامى لكنه غزل بالقدس نفسها فهو لم يقف على أطلال
المحبوبه أو يفتخر بأمجاد العروبه بل حلق على اجنحة ( فعولن.. فعولن..
فعولن.. فعول) استخدم بحرا يجرى فيه ويجرى به ويجرى معه يسابق الأنغام
والأحلام ويشدوا منفردا بواحدة من أجمل ما كتب فى القدس.
كثير ببابك شتى الصور وأكثر منها لديك العبر
وذكراك أعيا لسان الزمان لعمق الحكايا وطول السير
أيا قدس يا ملتقى الأنبياء ومن ذاق أمر السما فأتمر
كانت هذه البداية ببيت جمع فأوعى وأوجز وعبر وترك للمتلقى مساحة
التذكر والتذكار لأحداث من قديم الزمان الى الأن وألحقه ببيتين لا يقلا
روعة واحساسا وتعبيرا عن سابقهما.
ولابد لنا أن نقف أمام الصور
الشعرية الخلابة بين ثنايا أبيات التهامى الهادئة هدوء إلقائه فتقرأه كأنك
تسمعه وتسمعه كأنك تقرأه .
تأملوا معى الصور والمعانى المتلاحقه والمتلاحمه والممتعه:
تربى النبيون فى حجرها وأرضعت الحق حتى كبر
وضمته فى الدفء أحضانها وساقته أنفاسها فانتشر
ولما حَبى واستوى فوقها أتتها الملوك تقص الأثر
ودقت شعوب على بابها فهذا يحج وذا يعتمر
وأول خيط الهدى عندها وأخره فوق كل البشر
أرأيتم تغزل التهامى فى محبوبته القدس؟ أرأيتم كيف استخدم التاريخ
ألوانا من الزينة حول محبوبته ؟ إنه يعدد محاسنها ويشدو بنسبها ونسج من أول
ضوء للهداية لأخر ضوء سحابة من نور فوقها، بل صنع ما هو امتع وأعمق انتقل
الى مكه يلتقط صورة ويعكسها بكاميرا الشعر الدقيقه الى القدس ثانية يقول:
ولما بمكة هل الضياء فأعشى قريشا وزاغ البصر
وغطوا عن النور أنظارهم لكيلا يشد الهدى من نظر
عناد مشى فى ظلام النفوس وداس على كفرها فانفجر
ظلاما يلم خيوط الضياء ويبلع فى جوفه ما ظهر
نعم ماذا حدث يا تهامى كيف تم التخلص من هذا الظلام والظلم الذى
عبرت عنه بابيات قليله اختصرت نصف السيره النبويه اختصرت سيرة القساه
قلوبهم وتعذبيهم للمؤمنين ، ماذا حدث للخروج من هذه الدائرة المظلمة يقول
التهامى:
تدلى على القدس خيط الرجاء وكان الهدى والمنى المنتظر
وفُتح فى القدس باب السماء وجاء لنا المصطفى بالخبر
فيا قدس يا راحة للقلوب ويا سورة من طوال السور
أرأيتم نقل الكاميرا بين الأسباب والنتائج بين مكه والقدس أرأيتم كيف
يختصر دون خلل أحداث وأحداث بعبارات معبره وممتعة إنها الموهبة وصدق
المشاعر.
ثم يسهب التهامى فى وصف قبة الصخرة وفضل المسجد الأقصى بأوصاف فصلت من ألوان الطيف يقول:
ويا صخرة لامستها السماء فلا هى نور ولا هى حجر
ولكنها بين حضن السماء وحضن التراب لها مستقر
تضىء وتغلب كل الضياء إذا قل فى جنبها أو كثر
تضىء وفى قلبها زيتها وتحسدها الشمس قبل القمر
تصلى على جانبيها الرياح ويغسلها بالعطور المطر
يا الله .. يا الله.. أنا فى متعة ونشوة أتيه فى حضرة الوصف واقف على
أعتاب المعنى ، إن التهامى يحلق بصوّره إنه نص نزلت أبياته من السماء
لتليق بمقام القدس.
تظل منى الروح فى ديننا وأولى مراحلنا فى السفر
ومن هانت القدس فى دينه يكون كمن هان حتى كفر
من هنا بدأ التهامى يهبط الى الآلام والجراح من هنا بدأ النزيف بدأ
النزول من سماء المتعة الى أرض المحنة ، بدأ التهامى مواجعه بحكم وقانون
لا يحتاج الى مفتى ولا قاضى وانما يحتاج الى فرسان العزيمه وايمان صادق (
ومن هانت القدس فى دينه يكون كمن هان حتى كفر) لماذا ؟ وكيف بنيت حكمك يا
تهامى يقول:
وترك الجهاد اذا ما استبيح بلاط الشعائر إحدى الكبر
هكذا بنى التهامى قناعته وحكمه بل أنه ينبهنا الى تقصيرنا ايضا فى ضربة كرباج سريعة:
ولولا الرحيم وإمهاله هلكنا وجىء بقوم أخر
ثم ينتقل الى الشكوى للقدس وكأنه هو الأسير والمقيد بأفعال الحكام بأفعال الموكل إليهم الدفاع عن مقدسات الأمة:
أيا قدس دس المكان الجليل وغطى على الطهر رجس أشر
وسيقت لك النار خجلانة وكاد ينوح عليك الشرر
لا أستطيع إلا أن اقف هنا تأملوا وصف التهامى النار التى جاء بها
الأعداء لحرق القدس خجلانة من القدس والشرر ينوح عليها لأنهما مغصوبان على
أذية القدس ليس بملكيهما.
ويحرسك المسلمون الصغار على حين خاف الكبار الخطر
تأملوا الصغار فهى افادة عدة معانى منها اطفال الحجارة ومنها القلة
فى العدد والعدة ومنها الضعفاء فى حين أن الكبار كالملوك بجيوشهم
والمسئولين بسطوتهم وأموالهم والشعوب بقوتها فى الضغط هؤلاء الكبار خشوا من
المخاطر على مصالحهم.
تأملوا هذا الساحر التهامى تأملوا وصفه القادم لأطفال الحجارة وتناصه وصفا ومعنى واسقاطا مع الطير الأبابيل يقول:
تسن العصافير منقارها وترمى على الدارعين الحجر
وتهرع عند دوى الرصاص الى عشها فى أعالى الشجر
كأن الحصاة بمنقارها رمى خالد سهمها فانتصر
كأن الأبابيل فى وصفها تعبىء أحجارها من سقر
أرأيتم وصفه لساحة المعركة والكر والفر ونوع الأسلحة ولمن الغلبه
والنصر أرأيتم استدعاء خالد مع تلك العصافير ليشى بالقوة المعنوية لديها
والتى تفوق القوى العدديه والعتاديه للعدو.
ثم ينقل لنا التهامى بكاميرا الشعر المبهرة حالة أهل القدس فى وصف رائع كعادته يقول:
ولى فى حمى الساجدين الكرام هناك فؤاد دعا واصطبر
فآذانه تنتشى بالأذان اذا اناح فى غباشات السحر
يهز قلوب الجبال الثقال ويرمى على الرمل دمع الزهر
يشد عمالقة ينسلون الى الصحن فى خطوات الحذر
صفوفا تحير رصد العيون أفيهم ملائكة أم بشر
كأن جباههم فى السجود عيون تجيد احتراس الغفر
فما فاتهم فى عميق الصلاة وراء الجدار دبيب الإبر
ويستغفرون العلى القدير هنيئا لهم انه قد غفر
إنها حالة سكان القدس المدافعون عنها المضحون لأجلها تأملوا واستمتعوا بتضفيره للرقة والشده فى بيت واحد:
يصلون فى غابة للوحوش تضج بأنيابها والظفر
بها الموت تخطىء أسبابه ويرميه كف جبان ذعر
فيخطىء من حوله بالعراء ويأخذ من بالجدار استتر
بهذا العمى فى حصاد الحياه تعمق إيمانهم بالقدر
وإيمانهم طوع المعجزات وألبس ثوب الأمان الخطر
وأنبت أقدامهم فى التراب فأينع تحت التراب الثمر
فلن تحرق النار عمق الحياه ولن تحصد الكف جذر الشجر
أرغب فى الوقوف امام كل بيت وصوره ولكن متعتى تمنعنى لأستمر فى
ارتشاف خمر العارفين ، أقول لكم هو نص من السماء إنه تاج قصائد التهامى
الثمينه تأملوا كيف أن الموت رغم أن العدو جاء به لكنه انقلب عليه، تأملوا
لحظات الخطر والحذر تأملوا روعة التهامى وعشقه للقدس وأهلها .. وكفى.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق